حوار مع قحطان المدفعي: حين أقرأ أبو نؤاس اشعر وكأنني ألعب (الايروكس)

المقاله تحت باب  مقالات و حوارات
في 
29/03/2011 06:00 AM
GMT



في قاعة جمعية الفنانين التشكيليين بالمنصور التقيت المعماري العراقي الكبير الدكتور قحطان المدفعي، هذه القاعة التي قام بتصميمها قبل اكثر من 40 عاما، وعلى الرغم من ان الرجل يحمل (83) عاما مفعمة بالابداع والنشاط ومن الشيخوخة الا انه كان متأملا للاعمال الفنية التي كانت في احضان المكان الذي تقوم فيه افكاره وتشرئب انامله، فوجدت من الضروري ان احاوره على قدر ما يسمح به وقته ولا اريد ان اجهده كثيرا، وبعد ايام التقيته في قاعة (مدرات) لاستكمال ما بدأناه من الحوار وتشعبنا في احاديث شتى عن العمارة والشعر والرسم بالاضافة الى ذكرياته وغير ذلك.

والدكتور قحطان المدفعي من مواليد بغداد 1927، خريج جامعة ويلز – انكلترا عام 1953 متخصص بالهندسة المعمارية، حقق الكثير من المشاريع المعمارية في بغداد ومنها مقر جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين وجامع بنية، احد أعضاء جماعة الرواد وساهم في أكثر معارضها، احد مؤسسي جمعية الفنانين العراقيين، شارك في معظم معارض جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين.

  سألته اولا عما اعجبه في المعرض الذي اقيم لذكرى جواد سليم وفائق حسن، فقال وهو يشير الى عمل نحتي صغير يمثل امرأة نائمة: هذا العمل جذب انتباهي، فهو كتلة عملها النحات من مواد كيمياوية، والشكل الذي جسده هو شكل موجود عند كل امرأة، فكل امرأة تنام بهذا الشكل، يعني شيء جميل.

* ما الذي اعجبك فيها؟
- لانها كتلة فنية، لان النحات شاهد الوضعية ورأى بها احدى وضعيات الامرأة، انا انتبهت له لانه من كتلة صلدة رأى، كان يرى ثناياها وتركيبتها.

* هذه القاعة.. هل تذكر الغرض من تصميها؟
- قاعة عرض فنون تشكيلية.. طبعا، صممتها عام 1968، لكن الشكل الاصلي يختلف قليلا عن حالتها الحالية، الان هذه القاعة كبيرة ولكن سابقا كانت منقسمة الى قسمين، قاعة في المدخل وفيها حوض وقاعة اخرى، لكن الهيئة الادارية ارتأت ان يرفعوا الحوض لسبب او لاخر ولكن الرمزيات ظلت على ما هي عليه.

* ماذا قصدت بالرمزيات في شكل القاعة المميز؟
- الرمزيات.. هي ان كل رسام عنده فن التكنيك شيء يسمونه (فور كراوند) وشيء اخر يسمونه (باك كرواند) الاول يعني ما هو قريب والاخر ما هو بعيد، فالاثنان هذان المكون لكل عمل فني، فهنا السقف واحد الذي هو (فور كراوند) والارضية هي الباك كرواند.

* هذا الشكل من اين استوحيته؟
- انا لا اعمل شيئا ان لم يكن اصله عراقيا، هذا كله اصله عراقي وتطوره عراقي ايضا.

* ما الذي يمثله لك وجود القاعة وبقاؤها كل هذه السنين؟
- يمثل لي بهجة بالتأكيد، بهجة وفرح واتمنى ان تتطور هذه البهجة والفرح اكثر واكثر، كما انني سعيد بحضوري هنا، انا فرحان لانني جئت لاتابع نتاجات الشباب ونتاجات الحياة الغنية التي كانت في مقتبل حياتي.

* الم تأت لاستذكار جواد وفائق؟
- هذا اكيد، لان جواد وفائق صديقان قديمان وعزيزان على نفسي، وتربطني معهما روابط فنية كثيرة، مثلا انا صممت لفائق حسن بيته، ما زال البيت موجودا، وجواد سليم عمل معي في عدة اعمال، وعندي ذكريات جميلة معهما.

* هل لديك تصاميم جديدة حاليا؟
- لدي تصميم لقاعة، ولكن لم يتم بناؤها بسبب الظروف التي تغيرت ولم تبنى، قاعة كبيرة رسمية.

* كيف ترى واقع العمارة في بغداد؟
- مع الاسف لايعجبني، والذي لا يعجبني بها اكثر من الذي يعجيني وهذا يشعرني بالالم، لان بغداد تستحق جمالا اكثر وعمرانا اجمل، تستحق اكثر واكثر، فالسفر داخل بغداد مؤلم واتمنى ان يكون هذا الشعور مؤقتا، من الصعب ان اجد قاموسيا تعبيرا عن ما هية عمارة بغداد ولكن كأي واحد يبحث في اموره القديمة يجد هنا وهناك اماكن لها اهمية ولها ذكرياتها ولها طرازها، فأنا عندما امر ببغداد اشاهد سلسلة من الطرز العمارية والفنية.

* ما رأيك بالتغليف الجديد للابنية الذي يسمى (الكيبوند)؟
انا ضد الكيبوند، فأنا اعتبر الحضارة الغربية تعطينا بالاضافة الى اشياء جيد، تعطينا فضلات الحضارة الغربية، وهذا الكيبوند هو فضلات الحضارة الغربية، هذا تجاري وبسهولة يتم تركيبه ويأخذ التاجر فلوسه ويذهب، يعني عماراتنا ليست هذه، عمارتنا وقورة، انا ضد هذه تماما، وهو لا يشوه بغداد فقط بل سوف لن تبقى بغداد التي نعرفها، فما الشيء الذي يدلل على بغداد، مكعب من زجاج ماذا يدلل؟

* دائما تركز على الحوش لماذا؟
- لانه صلب الدار العراقية،بل انه ليس صلبها فقط ولكنه الفضاء الذي المواطن العراق يرى منه وجه الله بالضبط،يعني دينيا وعمليا، الحوش العراقي يختلف على ما لدى الاخرين بالاضافة الى انني من الطفولة عشت فيه وعشت اجواءه ورأيت كم هو متكاملا والان عندما ارجع اليه وادرسه اكاديميا اعجابي به يزداد.

* هل الفكرة تاخذها من البيئة العراقية ام التكوين الاسري العراقي او لسبب ديني؟.
- ليست الخلفية دينية ولا علاقة لها بالدين ولكن هذه ان العراقي يتوجه الى السماء تلقائيا بدون ان يفكر، يعني السماء هي غطاؤه، وغطاء الكون كله.

* ما ابرز اعمالك التي تعتز بها؟
- جمعية الفنانين التشكيليين، كما اعتز بمتحف التاريخ الطبيعي لان فيه العناصر الاساسية لفكرة الحداثة متجلية في تصميم المتحف.

* هل تعتقد ان الابنية السكنية كالعمارات والمجمعات فيها معمار؟
- العمارة عندما تحصرها فهي عندما ترى الرغبة في التعبير، هذه الرغبة تحول البناء البسيط من اعتيادي الى عمل فني.

 * هل هناك معماريون عراقيون لفتوا نظرك؟
- اقول لك الصدق انني في اخر مرة زرت فيها القسم المعماري في كلية الهندسة / جامعة بغداد قبل خمسة اشهر وكان هناك مؤتمر المدن، شعرت بالسرور واستأنست كثيرا لانني شاهدت وجوها تشع ذكاء حتى قبل ان اشاهد شغلهم، وهو اوجه تسعد، وهذا ما اراحني جدا، واحسست بالامل بوجود هؤلاء ان من الممكن ان تتغير صورة بغداد العمرانية الى الافضل.

* ما الذي نحتاجه اكثر لنغير عمران بغداد الى الاجمل؟
- هناك اشياء لها علاقة بالانضباط مثلا: تشاهد كل دكان امامه كومة اثاث، انا اريد ان اسأل: هذا الرصيف(بلاش) مجانا؟، وهذه المساحة اكبر من مساحة الدكان نفسه وترى صاحب الدكان قد حجزها، بدون ان يسأل احدا وبحجة انه يبيع، هذا معناه انه يتعدى عليك وعليّ وعلى امانة بغداد وعلى جمال بغداد، لان يمزج حقا بجمال في موقف يؤذي به، اتصور ان امين بغداد اذا كان حازما كل من يعرض امام دكانه عليه ان يدفع غرامة واخول موظفي الامانة في اللحظة يغرمونه فورا، انا متأكد ان كل ارصفة بغداد سوف تنظف، والعملية بسيطة، والشيء الثاني ضغط الابنية والتجاوزات، هذا يعني عدم ضبطها يخل بالمدينة..

* هل هناك بنايات معمارية ليست لك وتعجبك؟
- بيوت بغداد القديمة.. اكثرها تعجبني.

* ما اهتمامات الاخرى؟
- الرسم، لست ارسم باستمرار، اقصد ارسم دائما ولكن ليس بكثافة، اريد ان اجمع اللوحات الى تحين مناسبة لاقيم معرضا، انا ارسم على المدرسة الانطباعية، ارسم على القماش فورا دون ان اخطط على ورق، ولدي في لبيت الان نحو 80 لوحة، وسبق ان شاركت في معرض كبير اقامته قاعة دجلة عام 2002 كما اعتقد، بالاضافة الى انني اعرض دائما لوحاتي في معارض الرواد لانني واحد منهم.

* والاهتمام الاخر الذي لديك ويشغلك فعلا؟
- الشعر، فأنا لديّ ثلاثة دواوين مطبوعة وهناك ديوان يطبع حاليا بعنوان (فلول)، بالاضافة الى كتاب اخر سيصدر قريبا بعنوان (فكر ابي نؤاس) لانه واحد من الناس الذين يتحدثون الحقيقة، او كما تقول البستة العراقية(المثل العراقي): (اليحجي الصدك طاقيته منكوبة)، وانا معجب به لانه مشهور بسلاسة اسلوبه وبساطته، تقرأه وتستمتع بينما المتنبي عندما تقرأه وكأنك (تلعب تمارين رياضية) لان شعره صعب على عكس ابو نؤاس السلس الذي حين اقرأه اشعر وكأنني ألعب (الايروكس)، وهذا هو سر اهتمامي به، فهو يتكلم بالصدق ولا يخجل ان يقول عن شيء: (هذا احبه.. هل لديكم مانع؟)، ابو نؤاس هو الشخص الذي يردد كلماته ملايين الناس في مكة المكرمة، ولا اعتقد ان ابو نؤاس متناقض حينما يكتب (لبيك اللهم لبيك) ويكتب عن الخمريات، وأريد او ان اوضح لك: اولا: الخمر منتوج عراقي، في ذلك الزمن كان الخمر ينتج للتصدير ويشربه الخلفاء كلهم، والشعراء كله، ويشربونه بطريقة محترمة لا تصل بهم الى حالة السكر، انا برأيي ان (السكر ) عيب،ليس عندنا فقط بل في كل الدنيا، الذي يسكر معناه لا يستطيع السيطرة على نفسه وهذا مخجل، انا بالنسبة لذوقي استمتع به، انه عراقي بغدادي يحكي مثلما نحن نحكي الان، نفس المنطق.

* هل هنالك شعراء تقرأ لهم؟
- اقرأ للكثير من الشعراء منهم الجواهري مثلا الذي اعتبره شاعرا كبيرا واقرأ له في الدرجة الاولى، الجواهري امير، ولا اعتقد ان شعره قريب من شعر المتنبي كما يقال، ابدا.. ليس غريبا، شعر الجواهري ليس افضل من شعر المتنبي الذي هو قمة من قمم الشعر العربي بالطبع ولكن يعجبني شعر الجواهري لسلاسته ايضا، كما انني اقرأ الشعر الانكليزي كثيرا.

* هل لديك علاقات مع شعراء اخرين؟
- شعراء الحداثة اصدقائي كلهم من بلند الحيدري وبدر شاكر السياب، ولدي معه ذكرياتي كثيرة، بدر.. بدر كان يجيء عندي مع اخرين مثل الرسام نوري الراوي، فأوصلهم بسيارتي التي كانت صغيرة الى بيوتهم، وكان بدر يجلس في حضن نوري الراوي لضآلة جسمه، بدر.. اتذكر عندما كنت في انكلترا اثناء دراستي هناك جلبت معي اسطوانات شعر انكليزي للشاعرة ايدث سيتول عام 1954 او 1955، وهو كان متعلقا بهذه الشاعرة وفي تلك الفترة كان يكتب قصيدته المشهورة، اديث كتبت قصيدتها وقت قصف مدينة لندن عام 1940، وهو اخذ قصائد الشاعرة والتي منها قصيدة تقول كلماتها (ما زال يهطل المطر) التي قراءتها باللغة الانكليزية اجمل كثيرا من العربية، وهنا كلمة (المطر ) استخدمتها الشاعرة كناية عن القنابل لانها كانت تنزل على لندن مثل المطر، وبدر.. كما اعتقد ترجم هذه القصيدة، وكانت قصيدته (انشودة المطر) تعقيبا على قصيدة ستويل، وقد استلهم منها قصيدته، لذلك تقرأ في قصيدته (مطر.. مطر / ويهطل المطر).

* هل هنالك شاعر لم تحبه؟
- (ضحك ضحكة طويلة) لماذا تريدني ان احكي عن الذين لا احبهم؟، فلنتحدث عن الذين احبهم، ولكن اذا ما اصريت فسوف اقول لك ممن لم احبب شعرهم ومنهم البحتري الذي اشعره ثقيلا، ولابد ان تبحث عن معاني الكلمات ولابد حين تقرأه ان يكون بالقرب منك قاموس بالاضافة الى ان كل شعره مديح، وكذلك لا احب شعر جرير والفرزدق ومشاكلهما.

* هل هنالك شعراء من الشعراء الحاليين يعجبك شعرهم؟
- عبد الرزاق عبد الواحد يعجبني، وهو من الشعراء الفحول ومتانة شعره توازي متانة شعر السياب.

* المواقف السياسية الا تؤثر على الشاعر؟
- الفنان خاصة في الشعر عندما يكتب قصيدة في موضوع معين كأنما انفتحت امامه ستارة، وعدما تنتفح لا تستطيع ان تقول انك تعرف ما وراءها، وحتى هو ينساها ويذهب الى غيرها، يعني موقف معين في وقت معين وانتهى كأي فنان، صحيح انه كان يمدح النظام السابق وانا ضده في هذا، ولكن الان بعد انتهاء العهد السابق وحين قرأت قصيدته الاخيرة قلت انها تنطبق عليه مواصفات الفنان الذي يتكيف مزاجه حسب الموضوع، هناك شعراء ملتزمون لا يبدلون رأيهم ومبدئيون ولكن اكثر الشعراء على عكس هذا، ولا اعتقد ان استمرار عبد الرزاق على مواقفه السابقة نوعا من التعنت، بل.. انفة، من انه كتب هذا المديح ولا يريد ان يتراجع عنه، لان الشعر هو الذي صنعه، فعندما اقتضت الظروف ان يكتب شعرا اخر هل يمكنني ان لا اسميه شعرا؟، او انني لا ألتذ به؟ حتى ان كان موضوعه لا يعجبني فمتانته وكيانه كشعر لابد ان يبقى.

* هل ما زالت المرأة تثيرك؟
- طبعا، ولست انا بل اي شخص، هل ترى من الضروري ان اجيبك عما يثيرنا فيها (ضحك طويلا)، يريد الرجل المرأة او لايريد فهذا الشيء مبني في كيان المرأة وهو ما يجذب الرجل.

* متى تشعر باليأس؟
- لا اشعر باليأس ولماذا اشعر به.

* متى تشعر بالملل؟
- ولا حتى بالملل اشعر، عندي اشياء كثيرة اعملها فلماذا اشعر بالملل.

* هناك بيت من الشعر لزهير بن ابي سلمى يقول (سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولا لا ابا لك يسأم) وانت تجاوزت الثمانين فهل مللت الحياة؟

- اولا كلمة (لا أبا لك) تعبير عام يستعمل للمجاملة (الميانة) مع الذي يخاطبه، انا اعتقد انه قال هذا البيت من ضمن قصيدة كتبها وهو في هذا العمر ويذكر فيها خصائص المعيشة بعمر طويل، انا اعتقد انها شتيمة، وعني لم اشعر بالملل من الحياة ابدا لانني اعرف كيف املأ وقتي بأنواع الاشياء، فلا احتاج الملل.
(عن ايلاف)